الشيخ علي المشكيني
415
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
بعثُهم على الأحكام على نحو الحتم والإلزام نفرتَهم عن دين الإسلام ، فلم يكن يلزمهم الشارع ، مع أنّ حكم العقل بالحسن والقبح كان على حاله . ومنها : بعض موارد الحكم الإرشادي ، كوجوب الإطاعة للأوامر والنواهي ، وحرمة المخالفة لها ؛ فإنّ عنوان الإطاعة ممّا يَحكم العقل بحُسنه ، وعنوان العصيان ممّا يحكم العقل بقُبحه ، مع أنّه لا إلزام فيهما شرعاً ؛ إمّا لِلَغوية ذلك ، أو لاستلزامه التسلسل ، أو غير ذلك . وأمّا المسألة الثانية أعني قاعدة « كلّما حكم به الشرع حكم به العقل » : فالظاهر من الأصحاب تماميّتها وصحّتها وكونها مقبولةً عند الجلّ لولا الكلّ ؛ فإنّ معناها : كلّ فعل حَكم الشرع بوجوبه لاشتماله على المصلحة الملزِمة ، أو حَكم بحرمته لاشتماله على المفسدة الملزِمة لو أدرك العقل ذلك الملاك ، فلا جَرم يَحكم بحُسن الأوّل وقُبح الثاني ، وهذا ظاهر . [ 75 ] قاعدة الميسور « 1 » إذا رُتّب طلبٌ شرعيّ على موضوع عامّ بعموم استغراقيّ كقوله : « أكرم العلماء » ، أو على موضوع مركّب ذي أجزاء كقوله : « أكرم هؤلاء العشرة » أو « صلّ صلاة الصبح » ، فعرض للمكلّف عجز عن إتيان ما تعلّق به الحُكم تامّاً ، وكان إتيان بعض المصاديق أو بعض الأجزاء ممكناً ، فهل يبقى البعض الميسور على عُهدة المكلّف ، ويكون محكوماً بحكمٍ كان عليه عند إمكان الجميع ؟ أم يسقط الميسور أيضاً بسقوط المعسور ؟ فيه وجهان ؛ المشهور عند الأصحاب الأوّل ؛ « 2 » فإنّهم حكموا ببقاء البعض الممكن على عُهدة المكلّف ، وعدم سقوطه بطروّ العجز عن البعض الآخر . وسمّوا هذه الكبرى الكليّة ب « قاعدة الميسور » تارة ، و « قاعدة ما لا يدرك » أخرى ، وإن شئت فسَمّها ب « قاعدة الاستطاعة » ثالثةً ؛ يعنون بذلك بقاء المقدار الميسور على ما كان عليه من الطلب الشرعي ، وعدم سقوطه عن عُهدة المكلّف .
--> ( 1 ) . كفاية الأصول ، ص 370 ؛ نهاية الأفكار ، ج 3 ، ص 455 ؛ وسيلة الوصول ، ص 670 . ( 2 ) . هداية المسترشدين ، ج 2 ، ص 670 ، وانظر : الفوائد الحائرية ، ص 437 .